ابن الزيات
192
التشوف إلى رجال التصوف
إلا هذا السرير فبعه وأنفقه عليه . فلما أظلم الليل عليه أخرج السرير لئلا يراه الجيران فيشعرون بفاقته وفقره فباعه بستة عشر درهما ونصف درهم واستدعى لمنزله أبا عمران مع أصحابه فأنفق عليه جميع الدراهم . فخرجوا من عنده وتبعهم يشيعهم . فلما خرجوا من حضرة مراكش متوجهين إلى بلد رجراجة ، تأخر عن أصحابه أبو عمران لوداع الرجل . فبكى الرجل . وفاضت عينا أبى عمران بالدموع وهدر بصوت كالرعد وقال : يا رب ، كنت أردت أن لا أتكلم بشئ وإذا أمرتني الآن بالكلام فإني أتكلم : باع صاحبنا سريره بستة عشر درهما ونصف وأنفقها كلها علينا . اللهم اخلف عليه ما أنفقه علينا ! فودعه ورجع الرجل إلى البلد ، ففتح له في ذلك اليوم بعينه في مائة دينار ووسع اللّه عليه . ومنهم : « 93 » - أبو عبد الملك مروان بن عبد الملك اللمتونى العابد أشخص من مدينة فاس وقدم مراكش فتاب إلى اللّه تعالى وأقام بمراكش إلى أن توفى بها ، عام أحد وسبعين وخمسمائة وقيل عام اثنين وسبعين . ودفن أمام باب فاس من أبواب مراكش في صحن المسجد الصغير الذي هناك . حدثني الثقة أن مروان بعث إليه القاضي أبو يوسف حجاج بن يوسف أن يصل من فاس ليقدمه على خطة الحسبة بمراكش . فلما قدم سمع بعابد أجذم بمسجد تورزجين نزل على رجل من الصالحين يعرف بأبى عبد اللّه الصوفي . فذهب مروان إلى زيارته فرأى الناس يزدحمون عليه يقبلون رأسه ويديه . فقال : هذا رجل أمي لا علم عنده وتعظمه الناس هذا التعظيم وأنا لم ينفعني اللّه بشئ مما تعلمته ؛ واللّه لا أتولى ولاية ولأنقطعن إلى اللّه تعالى ؛ فحفر كهفا يتعبد فيه ويخرج منه في أوقات الصلوات فيصلى مع الناس ثم يعود إلى كهفه . فأقام على ذلك إلى أن لحق باللّه عز وجل ، ويعرف إلى الآن المكان الذي كان فيه بدرب العابد .
--> ( 93 ) من مصادر ترجمته : الإعلام 7 / 248 ، جذوة الاقتباس 1 / 334 .